عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

44

معارج التفكر ودقائق التدبر

الجملتين تفنّن في البيان . وقد يفهم من الإفراد في الجملة الأولى تكريم كلّ فرد من أفراد المهتدين ، بأنّه يحمل من ربّه شهادة « المهتدي » بعد فصل القضاء يوم الدين . أمّا الضّالون فإنّهم يجمعون معا في زمر ذوات رايات مهينات ، أو علامات يعرفون بها أنّهم الخاسرون المنبوذون . وبعد الحكم على الضّالين بالضّلال يوم الدّين ، وأنّهم من أهل جهنّم ، يساقون إليها ليكبكبوا فيها ، وليذوقوا جزاء كفرهم ، وتكذيبهم رسل ربّهم ، وعدم اتّباعهم آياته ، على اختلاف دركاتهم . وأمّا المهتدون فيساقون معزّزين مكرّمين إلى جنّات النعيم ، ليحتلّوا منازلهم فيها بحسب درجاتهم ومراتبهم . وقد طوي في النصّ هنا هذا السّوق اكتفاء بإيراده في نصوص أخرى ، على منهج القرآن في توزيع أفكار وعناصر الموضوع الواحد على مختلف الآيات والسّور ، واقتصر فيه على بيان يتعلّق بوصف كاشف لحال أهل جهنّم الفكريّ تجاه آيات اللّه البيانيّة ، والإعجازيّة ، والكونيّة ، والجزائيّة ، ويفهم منه بالمقابل ذهنا ولو لم يذكر في العبارة وصف حال أهل الجنّة . فقال اللّه تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ . . . ( 175 ) . ذَرَأْنا : أي : خلقنا . قيل : وكأنّ الذّرء مختصّ بخلق الذّرّيّة . وقدّم الجنّ على الإنس لأنّهم أسبق خلقا . ومن المطويّ هنا في النّصّ ، ويمكن إدراكه ذهنا : لقد خلقنا للجنّة عبادا لنا من الجنّ والإنس وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ . أي : ولقد خلقنا كثيرا من ذراري الجنّ والإنس صائرين لجهنّم دار